ابراهيم بن عمر البقاعي
213
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وكل شيء فهو دونه سبحانه ما يَمْلِكُونَ أي في هذا الحال الذي تدعونهم فيه وكل حال يصح أن يقال فيه لكم هذا الكلام ؛ وأغرق في النفي فقال : مِنْ قِطْمِيرٍ * وهو كما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : لفافة النواة ، وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها ، كناية عن أدنى الأشياء ، فكيف بما فوقه وليس لهم شيء من الملك ، فالآية من الاحتباك : ذكر الملك أولا دليلا على حذفه ثانيا ، والملك ثانيا دليلا على حذفه أولا ؛ ثم بين ذلك بقوله : إِنْ تَدْعُوهُمْ أي المعبودات من دونه دعاء عبادة أو استغاثة لا يَسْمَعُوا أي بحس السمع في وقت من الأوقات دُعاءَكُمْ لأنهم جماد وَلَوْ سَمِعُوا في المستقبل مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ لأنهم إذ ذاك يعلمون أن إجابتكم لا ترضي اللّه ، وهم مما أبى أن يحمل الأمانة ويخون فيها بالعمل بغير ما يرضي اللّه سبحانه ، أو يكون المعنى : ولو فرض أنه يوجد لهم سمع ، أو ولو كانوا سامعين - ليدخل فيه من عبد من الأحياء - ما لزم من السماع إجابة ، لأنه لا ملازمة بين السمع والنطق ، ولا بين السمع والنطق مع القدرة على ما يراد من السامع ، فإن البهائم تسمع وتجيب ، والمجيبون غيره يجيبون ولا قدرة لهم على أكثر ما يطلب منهم . ولما ذكر ما هو على سبيل الفرض ، ذكر ما يصير إليه بينهم وبينهم الأمر فقال : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي حين ينطقهم اللّه يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي ينكرونه ويتبرؤون منه . ولما كان التقدير : قد أنبأكم بذلك الخبير ، وكانوا لا يقرون بذلك ولا يفهمونه حق فهمه ولا يعملون به ، صرف الخطاب عنهم إلى من له الفهم التام والطاعة الكاملة ، فقال عاطفا على هذا الذي هدى إلى تقديره السياق : وَلا يُنَبِّئُكَ أي إنباء بليغا عظيما على هذا الوجه بشيء من الأشياء مِثْلُ خَبِيرٍ * أي بالغ الخبر ، فلا يمكن الطعن في شيء مما أخبر به ، وأما غيره فلا يخبر خبرا إلا يوجه إليه نقص . ولما اختص سبحانه بالملك ونفى عن شركائهم النفع ، أنتج ذلك قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ أي كافة أَنْتُمُ أي خاصة الْفُقَراءُ أي لأنكم لاتساع معارفكم وسريان أفكاركم وانتشار عقولكم تكثر نوازعكم وتتفرق دواعيكم فيعظم احتياجكم لشدة ضعفكم وعجزكم عظما يعد معه احتياج غيركم عدما ، ولو نكر الخبر لم يفد هذا المعنى إِلَى اللَّهِ أي الذي له جميع الملك ؛ قال القشيري : والفقر على ضربين : فقر خلقة ، وفقر صفة ، فالأول عام فكل حادث مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبديه وينشيه ، وفي ثانيه ليديمه ويبقيه ، وأما فقر الصفة فهو التجرد ، ففقر العوام التجرد من المال ، وفقر الخواص التجرد من الإعلال ، فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلولات .